ابن كثير

76

البداية والنهاية

الشيخ الكبير المعمر الرحلة أبو القاسم أبو بكر أبو الفتح منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل الفراوي النيسابوري ، سمع أباه وجد أبيه وغيرهما ، وعنه ابن الصلاح وغيره ، توفي بنيسابور في شعبان في هذه السنة عن خمس وثمانين سنة . قاسم الدين التركماني العقيبي والد والي البلد ، كانت وفاته في شوال منها والله أعلم . ثم دخلت سنة تسع وستمائة فيها اجتمع العادل وأولاده الكامل والمعظم والفائز بدمياط من بلاد مصر في مقاتلة الفرنج فاغتنم غيبتهم سامة ( 1 ) الجبلي أحد أكابر الامراء ، وكانت بيده قلعة عجلون وكوكب فسار مسرعا إلى دمشق ليستلم البلدين ، فأرسل العادل في إثره ولده المعظم فسبقه إلى القدس وحمل عليه فرسم عليه في كنيسة صهيون ، وكان شيخا كبيرا قد أصابه النقرس ، فشرع يرده إلى الطاعة بالملاطفة فلم ينفع فيه فاستولى على حواصله وأملاكه وأمواله وأرسله إلى قلعة الكرك فاعتقله بها ، وكان قيمة ما أخذه منه قريبا من ألف ألف دينار ، من ذلك داره وحمامه داخل باب السلامة ، وداره هي التي جعلها البادرائي مدرسة للشافعية ، وخرب حصن كوكب ونقلت حواصله إلى حصن الطور الذي استجده العادل وولده المعظم . وفيها عزل الوزير ابن شكر واحتيط على أمواله ونفي إلى الشرق ، وهو الذي كان قد كتب إلى الديار المصرية بنفي الحافظ عبد الغني منها بعد نفيه من الشام ، فكتب أن ينفى إلى المغرب ، فتوفي الحافظ عبد الغني رحمه الله قبل أن يصل الكتاب ، وكتب الله عز وجل بنفي الوزير إلى الشرق محل الزلازل والفتن والشر ، ونفاه عن الأرض المقدسة جزاء وفاقا . ولما استولى صاحب قبرص على مدينة أنطاكية حصل بسببه شر عظيم وتمكن من الغارات على بلاد المسلمين ، لا سيما على التراكمين الذين حول أنطاكية ، قتل منهم خلقا كثيرا وغنم من أغنامهم شيئا كثيرا ، فقدر الله عز وجل أن أمكنهم منه في بعض الأودية فقتلوه وطافوا برأسه في تلك البلاد ، ثم أرسلوا رأسه إلى الملك العادل إلى مصر فطيف به هنالك ، وهو الذي أغار على بلاد مصر من ثغر دمياط مرتين فقتل وسبى وعجز عنه الملوك . وفي ربيع الأول منها توفي الملك الأوحد .

--> ( 1 ) في ابن الأثير : أسامة .